ساحرات سالم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ساحرات سالم

مُساهمة من طرف Hossam The Lord في الثلاثاء أبريل 22, 2008 3:00 pm

الأسطورة.. وما هو أسوأ!!







العام 1692... شهر سبتمبر.
اليوم 19
(جايلز كوري) المزارع العجوز يقاد وسط الحشود الهامسة،
في الساعات الأولى من الصباح إلى تل (جالوز) ،
القريبة من قرية (سالم) في ولاية (ماسوشستس) لينفذ الحكم فيه.
نراه يسير رافعًا رأسه في هدوء, مطبقًا فمه في صمت,
هو سبب حصوله على هذا الحكم, يسير وسط أهل قرية (سالم) الذين أخذوا يرددون همسًا:
- إنه ساحر... إنه ساحر..






لكنه لا يهتز لحظة, إلى أن يمددوه على الأرض, وينزعوا عنه ملابسه,
ليضعوا لوحا خشبيا فوق صدره,
ثم يشرعوا في إلقاء الحجارة الضحمة فوق صدره!!
فالحكم هذه المرة, كان ضغط المتهم أسفل الصخور الثقيلة حتى الموت..
حتى ينسحق جسده تمامًا..
يتوقف أهل القرية عن الهمس, وهم يشاهدون ذلك المشهد أمامهم,
وجسد العجوز يئن أسفل الثقل المتزايد على صدره العاري,
حتى إنه ينطق أخيرًا, ولأول مرة منذ زمن,
بأن يصرخ طالبًا :
أن يسرعوا في وضع الصخور الثقيلة, ليسرعوا من موته!!
و حين انتهى الأنين أسفل الصخور,
أعلن أن المزارع (جايلز كوري) قد نفذ فيه حكم المحكمة,
لرفضه الاعتراف بجريمته,
وهي ممارسة السحر.. بل لرفضه التحدث أصلاً..
(روبرت كالف) أحد من حضروا الموقف ذكر بعد ذلك في تقريره ,
أن (جايلز كوري) الذي سحق حتى الموت ,
لالتزامه الصمت, انسحق وجهه, إلى درجة أن لسانه خرج خارج وجهه المسحوق,
وكان من العسير إعادته مكانه!!




هذا أيها السيدات والسادة , نموذج لحدث من أحداث العام 1692 , في قرية (سالم)..
تلك الأحداث التي سميت فيما بعد باسم
(محرقة ساحرات سالم)...
لكن... ما حقيقة هذه الأسطورة؟!!
ما الذي حدث بالضبط؟؟... هذا ما سنحاول الإجابة عنه..





أحداث القصة تبدأ من العام (1688) حين دعا (جون بوتمان) أحد كبار قادة قرية (سالم),













أحد أمهر البنائين وهو (صمويل باريس) لترميم كنيسة القرية,













لتبدأ سلسلة من المفاوضات بينهما على التكلفة,













انتهت بعد عام, لينتقل (صمويل باريس) مع زوجته, وابنته الصغيرة (بيتي)،












وابنة أخيه (باجيل ويليامز) وخادمتهم الهندية (تيتوبا) , إلى قرية (سالم).
في هذه الفترة, كانت الحرب مع الهنود الحمر لا تزال على أشدها,



والأشد منها التنافس على زعامة القرية, بين عائلتي (بوتمان) و(بوتر),
مما كان يعني مزيدأ من الازدهار في أعمال (صمويل باريس) الذي وجد نفسه في قرية أصابتها حمى المظاهر والبناء,
فاستغل الموقف تمامًا, وبدأت الأرباح تنهال عليه,
حتى جاء شهر فبراير, ليحدث ما غيّر تاريخ القرية إلى الأبد..
أصيبت ابنته (بيتي) بالمرض !!


نعم... شعرت بالصداع وضيق التنفس وبعض نوبات الصرع,
وكل تلك الأعراض التي وصفها الكاتب
(كوتون ماثر) في كتابه (Memorable Providences)
الذي صدر عام 1688 ليحقق نجاحًا ساحقًا, والذي يقول إن هذه الأعراض,
تعني أن صاحبها وقع تحت تأثير السحر الأسود...
المشكلة هنا أن الكتاب كان ناجحًا بحق,
وأن العشرات كانوا قد قرأوه بالفعل, ومع الحرب مع الهنود وتوتر الأعصاب,
بدأ اسم الشيطان يتردد على الألسنة,
ثم استبدل بكلمة (سحر أسود),
ثم بدا أن وقوع (بيتي باريس) تحت تأثير السحر الأسود,
أصبح حقيقة لا جدال فيها, حتى جاء ما يؤكدها...







فلم يمض وقت طويل حتى بدأت صديقات (بيتي) في الإصابة بذات الأعراض،
وهن (آن بوتمان) و(ماري لويس) و(ماري والكوت),
واستدعي الطبيب (ويليام جرجز) لتشخيص هذه الأعراض,
أعلن عجزه عن فهم ما يحدث, وقرر أن هذه الأعراض نتاج قوى غير طبيعية.
و أخذ عدد الفتيات في الارتفاع,
حتى أصبحن سبع بنات يعانون من ذات الأعراض العجيبة,
والتي أضفن إليها بعض المؤثرات الدرامية, كالصراخ المستمر,
أو التظاهر بالإصابة بالشلل الكلي!!


و نظرًا للاعتقاد أن هذه الأعراض ما هي إلا نتيجة قوى شيطانية,
تطوعت السيدة (ماري سيبلي) لتعرض على (تيتوبا) خادمة السيد (صمويل باريس),
أن تخبز كعكة خاصة (مصنوعة من البول!!!), ثم تطعمها لكلب,
نظرًا للاعتقاد السائد أن الكلاب, يستخدمون من قبل السحرة,
للحصول على الأثر المنشود..


و قررت الخادمة الهندية المخاطرة بتنفيذ هذا الاقتراح,
فخبزت كعكتها الشهيرة
يوم25 من شهر فبراير لعام 1692, وفي يوم29 من ذات الشهر,
صدرت مذكرة القبض على الخادمة (تيتوبا) بتهمة ممارسة السحر, وبدأت المأساة..
الاتهام الذي وجه إلى (تيتوبا) كان من قبل الفتاتين (بيتي باريس) و(آباجيل ويليامز),
وكان من الواضح أنهما حبكتا قصتيهما معًا, لتخرج قصة واحدة,
تقول إن (تيتوبا) ساحرة, وأنها تطير في الهواء في الليالي المظلمة,
لتنضم إلى الشيطان في وكره..
قصة ساذجة؟؟... نعم...
لكن (تيتوبا) كانت هندية, وكانت الحرب مع الهنود كفيلة لجعل مثل هذه القصة قابلة للتصديق..








لكن (تيتوبا) لم تتهم وحدها,













بل انضم إليها كل من (سارة جود) الشحاذة المزعجة كما اشتهرت, و(سارة أوزبورن) العجوز التي اشتهرت بكثرة مشاكلها مع الجيران,












وعدم ذهابها للكنيسة منذ عام.
و عرضت القضية على القاضيين



(جوناثان كراون) و(جون هاثرون)
اللذين قررا نقل استجواب المتهمات الثلاثة إلى مجلس المدينة,
مع توافد المئات من أهل القرية, ليشاهدوا هذه المحكمة الهزلية..
كان هذا في الأول من مارس..
و لا يوجد تفسير لما حدث بالضبط في هذا اليوم...
لقد كانت القرية تبدو وكأنها تريد كسر رتابة الحياة بأية صورة,
وعلى حساب أي أحد,
فتطوع البعض بالتأكيد على أن المتهمات الثلاثة من السحرة حقًا,
وأن ظهورهن في حقولهم, سبب اختفاء المحصولات,
وموت الحيوانات, والأغرب أنهم لم يكونوا في حاجة إلى هذا,
فالقاضيان كانا قد قررا حكمهما قبل أن تبدأ المحاكمة أصلاً,
فالأسئلة كلها لم تخرج عن الصيغ التالية..
(هل أنت ساحرة؟!)..
(هل تعاملت مع الشيطان؟)..
(لو لم تكوني ساحرة, فكيف تفسري ما يحدث؟!)!!
و استبد الخوف بالخادمة المسكينة (تيتوبا) وهي ترى الموت قادمًا لا محالة,
ففكرت أن الاعتراف قد يعفيها من التحول إلى كبش فداء,
وقررت الاعتراف بأنها ساحرة,
وأنها قابلت رجلا طويلا في بوسطن ,
تعتقد أنه الشيطان, وأنه جعلها توقع في كتابه..
ليس هذا فحسب, بل أكدت الخادمة أنها كانت تحضر اجتماعات السحرة مع
(سارة جود) و(سارة أوزبورن)
في مكان سري في الغابة المجاورة..
بالطبع لم ترق هذه المسألة للبعض,
وعلى رأسهم
(مارثا كوري)– زوجة جايلز كوري– و(سارة كلويس) والممرضة (ريبكا),
فأثرن هجومًا ضاريًا على عائلتي (باريس) و(بوتمان),
انتهى باتهامهن بممارسة السحر!!
لقد تحول الأمر إلى مهزلة حقيقية,
لا يمكن تخيل مدى فداحتها إلا إذا أخبرتك أن
الطفلة (دوركاس جود) ابنة (سارة جود) والتي لم تبلغ الرابعة من العمر,
اتهمت هي أيضًا بكونها ساحرة,
وظلت في سجن القرية لمدة ثمانية أشهر, انتهت بأن حضرت إعدام أمها,
وقلبها يتمزق من الصراخ!!





مع سقوط الضحايا, تحسن أداء الفتيات,
فبدأن في التظاهر بأنهن يرين الساحرات طيلة الوقت,
حتى في منازلهن, وبدأن في التظاهر بالإغماء والذعر,
عند مواجهتهن في المحكمة لطلب الشهادة... ومع هذا الأداء المنمق,
اتسعت دائرة المتهمين والمصدقين, وازداد جنون أهل القرية...
وانتشر الذعر بين المتهمات,
وساد الظن بأن من ستعترف ستهرب من الإعدام,
فكانت (ديلفرنس هوبز) هي ثاني متهمة تعترف بممارسة السحر,
على أمل النجاة من موت محقق, لكن دخول (فيبس) إلى مسار الأحداث,
قلب كل الموازيين..
(فيبس) كان حاكم المدينة, وكان (فيبس) يقضي بعض الوقت في بريطانيا,
حين عاد ليجد هذه المهزلة قائمة,
فقرر وضع حد لها, مهما كان الثمن..
و هكذا عقد محكمة من خمسة قضاة – ثلاثة منهم من أصدقاء (كوتون ماثر) الذي كان يشجع فكرة إعدام السحرة,
كأن هذا سيزيد من نجاح كتابه!!- وكان اسم هذه المحكمة (الصمت والتدمير)..
رأس المحكمة القاضي (ويليام ستوتون) الذي عرف بكونه أكثر المتحمسين لعملية صيد السحرة
–كما كانوا يسمون هذه الاتهامات–
والذي استجاب لاقتراح
(كوتون ماثر) لاستخدام (اختبار اللمس),
وهو اختبار يعتمد على أن تقوم المتهمة بالسحر بلمس أحد الفتيات الضحايا,
لرؤية تأثير لمستها عليها!!
لا بد أن هذا كان وقت جوائز الأوسكار لأداء الفتيات التمثيلي,
فقد كن يسقطن ويصرخن بمجرد أن تلمسهن واحدة من المتهمات
ثم وباقتراح ثان من (كوتون) تم اعتماد أن مجرد الاعتراف بالسحر دليل كاف لتطبيق حكم الإعدام
كانت أول ساحرة تقدم لهذه المحاكمة,
هي (بريدجت بيشوب) وهي سيدة تجاوزت الستين من عمرها,
وكانت كثيرة المشاكل,
وفقيرة إلى حد التهرب من دفع الضرائب... باختصار كانت نموذجًا يصلح لتجربة المحاكمة عليه أول مرة,
خاصة وأن (ديلفرنس هوبز) التي أصابها الجنون,
أكدت أن السيدة (بيشوب) ساحرة نشطة,
وأنها كانت تحضر اجتماعات الشيطان معها!
و مع أداء الفتيات المبهر,
لم تستمر المحاكمة أكثر من أسبوع واحد,
وقع بعدها القاضي
(ويليام ستوتون) على حكم إعدام (بريدجيت بيشوب),
ونفذ الحكم عند تلة (جالوز) في اليوم الثامن من شهر يونيو لعام1692.
توالت الاتهامات وقرارات الإعدام,
وقيدت النساء إلى تلة (جالوز) تزفهن الدموع والشائعات,
وتحول الأمر إلى جنون حقيقي,
فأصبح كل من يعارض هذه المحاكمات متهما بدوره,
كما حدث مع (جون بروكتور) الذي هاجم هذه المحاكمات الهزلية,
معلنًا أن السيدات اللاتي اعترفن بممارستهن بالسحر,
فعلن هذا هربًا من المشنقة,
فوجد نفسه متهمًا هو وزوجته بممارسة السحر,
وقيد إلى المحكمة حيث صرخ رافضًا اتهامه, وشكك في نزاهة القضاة,
وطلب نقل محاكمته إلى بوسطن,
لكن الأمر انتهى به إلى المشنقة,
وكادت زوجته تلحق به لولا حملها الذي أنقذها..
قصة (جون بروكتور) خلدت بعد ذلك,
في مسرحية الأديب الشهير
(آرثر ميلر) والمسماة بالبوتقة (The Crucible)..
و استمر الشنق, حتى بلغ عدد الضحايا تسع عشرة ضحية شنقوا عند تلة (جالوز) ،
وأربع ماتوا في السجن,
ورجل واحد رفض المحاكمة ,
فسحق أسفل الصخور حتى الموت وهو (جايلز كوري)...
و كما ولد الجنون فجأة, اختفى فجأة..
ففي خريف عام 1692 انتهت هستيريا صيد الساحرات..
و خرج (إنكريس ماثر) والد (كوتون),
ليعلن عن عدم رضاه عمّا حدث,
وليعلم ما سمي بعد ذلك بأول قانون أمريكي لتحري الأدلة,
حين قال
(من الأفضل هروب عشرة مذنبين, من أن يظلم بريء واحد)..
و بدأ القضاة يعترفون أن ما حدث هو (خطأ يأسفون) عليه,
بل أعلن بعضهم صراحة,
أن كثيرين ممن شنقوا, كانوا متأكدين من برائتهم..
و في مايو من عام 1693, أفرج الحاكم (فيبس) عن كل المتهمين بالسحر,
فهاجمه القاضي (ستوتون) مدعيًا أنه وقف في طريقه, بعد أن أوشك على تطهير الأرض من السحرة...
(ويليام ستوتون) أصبح حاكم ولاية (ماسوشستس) فيما بعد!!!
انتهت المذبحة, لكن التاريخ لا يرحم أحدا ولا ينسى أحدا ,
ولازالت الأحداث التي حدثت في قرية (سالم),
تعيد إلى الأذهان الكثير والكثير من الذكريات...


و ربما سمعت أنت عن أسطورة ساحرات سالم, لكنك لم تكن تعرف التفاصيل..
ها أنت قد عرفتها...
لكن السؤال الذي سيظل بلا إجابة هو..


كيف يستبد الجنون بقرية بأكملها؟!!
كيف؟!!
لا أحد يعرف.. كل ما نملكه هو التاريخ الذي قال عنه (ماركيز) في مقدمة كتابه (أن تعيش لتحكي),
"التاريخ ليس ما حدث, بل هو ما نتذكره, وكيف نحكيه"
avatar
Hossam The Lord
نجم المندى
نجم المندى

عدد الرسائل : 849
العمر : 24
تاريخ التسجيل : 19/03/2008

بطاقة الشخصية
ألعب: 2

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى